فخر الدين الرازي
61
شرح عيون الحكمة
--> ابنه : أنت أنجبتنى بشهوة كانت لك لذة ، وبها صرت في الدنيا المملوءة بالآفات والمصائب . وخلاصي من الدنيا لا يكون الا بالعلم . فلذلك أحترم المعلم والمؤدب وأعظمهما لأن خلاصي لا يكون الا على أيديهما . * * * وعن طريق المحكم والمتشابه . جاء عن يونس عليه السلام : « فالتقمه الحوت وهو مليم » وهذا نص محكم . وجاء عنه « للبث في بطنه إلى يوم يبعثون » وهذا نص متشابه . والنص المحكم يثبت أنه لم يدخل البطن . لأنه لو دخل البطن لما كان يقول « التقمه » أي وضعه بين شدقيه . ولأنه لو دخل البطن لأكل الحوت لحمه وفتت عظامه ، وتغذى به ، وأخرجه ونبذه بالعراء وهو سقيم لا يدل على أن الحوت قد أكله . وبطنه اما أن تدل على بطن الحوت ، واما أن تدل مجازا على بطن البحر . والمعنى المجازى هو المتفق مع المحكم ، فيكون هو مراد اللّه تعالى . * * * وشبيه بهذه المسألة عن طريق المحكم والمتشابه : مسألة ألوهية فرعون . فقد زعم البعض أن بعض المصريين قد عبدوا فرعون ، كما عبد الكفار الأصنام . وذلك من قول فرعون لقومه : « ما علمت لكم من إله غيرى » ( القصص 38 ) وهؤلاء أخذوا بظاهر النص - وهو متشابه - ولم يلتفتوا إلى محكمه . ومحكمه هو : « وقال الملأ من قوم فرعون : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ، ويذرك وآلهتك » ؟ ( الأعراف 127 ) وأيضا : قوله تعالى : « وقال فرعون : ذروني أقتل موسى . وليدع ربه . انى أخاف أن يبدل دينكم » ( غافر 26 ) فقوله : « ويذرك وآلهتك » نص على أن فرعون لم يعبد نفسه ، وانما عبد غيره . وهو نص لا يحتمل معنيين . ويؤكد أنه عبد غيره : قوله لقومه : « انى أخاف » ومن صفة الاله في نظر المعتقدين فيه : أن لا يخاف . وقوله « من إله غيرى » نص متشابه يحتمل الاله الذي يعبد مثل الصنم ، ويحتمل الاله بمعنى السيد الرئيس الذي لا يرأسه من الناس أحد في قومه . والمعنى الثاني هو المتفق مع المحكم ، فيكون هو مراد اللّه تعالى . وكذلك كلمة « ربكم » قد يراد منها : السيد الرئيس وفي اللغة العبرانية أن « الاله » تأتى في الكلام بمعنى السيد - والعبرانية والعربية من أصل واحد -